الأحد، ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦
عالمي

رصاصة أسفل طاولة مفاوضات إيران وأمريكا.. من يطلقها في إسلام آباد؟

لا يمكن قراءة المشهد التفاوضي في الغرف المغلقة دون النظر إلى الساحة المشتعلة في الجنوب اللبناني. هناك، تُرسم المعطيات الميدانية تمهيدًا لطرحها مخرجات على طاولة التفاوض.

مشاركة:
رصاصة أسفل طاولة مفاوضات إيران وأمريكا.. من يطلقها في إسلام آباد؟

منذ انهيار جولة الثاني عشر من أبريل الجاري، لم تلتقِ واشنطن وطهران وجهًا لوجه. غادر الطرفان طاولة إسلام آباد آنذاك تاركين خلفهم فجوة عميقة من الخلافات وشروطًا متعارضة، قبل أن يشهد الشرق الأوسط تحولًا دراماتيكيًا مفاجئًا؛ هدنة في لبنان.


على السطح، بدا هذا التطور الميداني وكأنه استجابة أمريكية-إسرائيلية لشرط إيراني رئيسي، وتنازل تكتيكي لضمان عودة طهران إلى طاولة المفاوضات المرتقبة. وسارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للاحتفاء بهذه الهدنة عبر تصريحات متتالية، مسوقًا إياها كحجر أساس لسلام إقليمي شامل يطوي صفحة الأزمة النووية، في حين التقط المفاوضون الإيرانيون الأنفاس بهدوء دبلوماسي لافت يشي بمرونة حذرة.

غير أن هذه اللوحة الهادئة التي تُمهد لعودة مصيرية إلى إسلام آباد، تقابلها على الجانب الآخر تحركات استراتيجية مغايرة ومريبة في مياه الخليج العربي المحاصرة وأروقة البنتاجون. وأمام هذه المشهدية المزدوجة التي تتأرجح بين “حمائم الدبلوماسية” و”هدير البوارج”، يبرز التساؤل الاستراتيجي الأهم: هل تمثل محادثات إسلام آباد الجديدة فرصة حقيقية لتفكيك شيفرة الصراع ووقف آلة الحرب، أم نحن أمام مرحلة استراحة وإعادة تموضع قبل الانزلاق الأخير؟

كيف دفع الليطاني ثمن الوصول إلى مفاوضات إسلام آباد؟

لا يمكن قراءة المشهد التفاوضي في الغرف المغلقة دون النظر إلى الساحة المشتعلة في الجنوب اللبناني. هناك، تُرسم المعطيات الميدانية تمهيدًا لطرحها مخرجات على طاولة التفاوض.

ففي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تروج للتهدئة، تجنبت ممارسة أي ضغط حقيقي على إسرائيل لوقف إطلاق النار الفوري، مانحةً إياها تفويضًا كاملًا ووقتًا إضافيًا لتنفيذ عملية خنق جغرافي شاملة.

وقد كثف الجيش الإسرائيلي لضرباته، وتدمير جميع الجسور والمعابر الحيوية فوق نهر الليطاني، لعزل مئات الآلاف من المدنيين وخلق منطقة عازلة محروقة بالكامل قبل ساعات من بدء سريان الهدنة، وهو ما تُرجم ميدانيًا برفض تل أبيب السماح للسكان بالعودة جنوب الليطاني رغم سريان وقف إطلاق النار، لتثبيت هذا الانتصار الجغرافي.


وما يؤكد أن هذا الدمار ليس مجرد أضرار جانبية للعمليات العسكرية، هو ما وثقته منظمة هيومن رايتس ووتش، في أحدث تقاريرها، والذي كشف أن الضربات الإسرائيلية استهدفت عمدًا المعابر الأساسية لقطع شرايين الحياة عن الجنوب اللبناني، مما أدى إلى مقتل المئات وتفريغ المنطقة من سكانها.

وهذا السلوك الميداني يتقاطع بشكل وثيق مع التحليلات الاستراتيجية الغربية؛ إذ يجادل مركز كارنيجي للسلام الدولي بأن الهدف الإسرائيلي يتجاوز مجرد إبعاد مقاتلي حزب الله، ليصل إلى “هندسة ديموغرافية” طويلة الأمد تضمن إنشاء شريط حدودي خالٍ من أي كثافة سكانية تشكل بيئة حاضنة للمقاومة.

وهذا هو ما أعطته واشنطن لحليفتها تل أبيب مقابل القبول بهدنة في لبنان، تمنع تعطيلًا إيرانيًا مبررًا لمسار التفاوض في إسلام آباد.

واشنطن في إسلام آباد.. ماذا يحدث داخل مصانعها؟

إذا كانت الجبهة اللبنانية تمثل نقطة انطلاق التكتيك التفاوضي، فإن كواليس العاصمة الأمريكية تكشف الوجه الحقيقي لاستراتيجية واشنطن.

تتعمد الإدارة الأمريكية تسريب أنباء إيجابية متتالية حول قرب التوصل إلى اتفاق يضمن الإفراج عن 20 مليار دولار من الأصول الإيرانية مقابل تجميد التخصيب، في مسعى واضح لتخدير الرأي العام العالمي وتهدئة الأسواق.

غير أن لغة الميدان تتحدث بوقائع مغايرة تمامًا؛ وقد فضحت تسريبات وكالة رويترز ووسائل إعلام غربية أخرى، في مارس الماضي، وجود أوامر إسرائيلية مدعومة لوجستيًا من أمريكا بتسريع هدم المنازل اللبنانية على الخطوط الأمامية، وهو أمر يعكس نية مبيتة لاستمرار العمليات العسكرية بمجرد انتهاء المهلة الدبلوماسية.

في تفكيكه لشفرة هذا التناقض الحاد بين أروقة السياسة وقرقعة السلاح، يرى د. مهدي عفيفي، عضو الحزب الديمقراطي الأمريكي، أن الصورة الكاملة أهم مما يُقرأ في شريط الأخبار العاجلة حاليًا، وهذه الصورة التي يراها رُجل مثله، شارك بحملتي بيل كلينتون وباراك أوباما، تقول إن الولايات المتحدة تتجهز لشيء آخر غير السلام.

\

\

هل أعجبك هذا المقال؟

التعليقات

أضف تعليقك